مجمع البحوث الاسلامية
253
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقال ابن عبّاس وعطاء ومجاهد والضّحّاك وسفيان : نزلت في المؤمنين ، سأل رجل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت فدعاه وتلاها عليه . قال بعض المفسّرين : كان الرّجل إذا نطق بالشّهادتين وصلّى إلى أيّ ناحية ثمّ مات وجبت له الجنّة ، فلمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونزلت الفرائض وحدّت الحدود ، وصرفت القبلة إلى الكعبة أنزلها اللّه . وقيل : سبب نزولها إنكار الكفّار على المؤمنين تحويلهم عن بيت المقدس إلى الكعبة . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، لأنّها إن كانت في أهل الكتاب فقد جرى ذكرهم بأقبح الذّكر ، من كتمانهم ما أنزل اللّه ، واشترائهم به ثمنا قليلا ، وذكر ما أعدّ لهم ، ولم يبق لهم ممّا يظهرون به شعار دينهم إلّا صلاتهم ، وزعمهم أنّ ذلك ( البرّ ) . فردّ عليهم بهذه الآية . وإن كانت في المؤمنين فهو نهي لهم أن يتعلّقوا من شريعتهم بأيسر شيء كما تعلّق أهل الكتابين . ولكن عليهم العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشّريعة على ما بيّنها اللّه تعالى . وقرأ حمزة وحفص ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، وقرأ باقي السّبعة برفع الرّاء . وقال الأعمش في مصحف عبد اللّه ( لا تحسبنّ البرّ ) وفي مصحف أبيّ وعبد اللّه أيضا ( ليس البرّ بان تولّوا ) . فمن قرأ بنصب ( البرّ ) جعله خبر ( ليس ) و ( ان تولّوا ) في موضع الاسم ، والوجه أن يلي المرفوع ، لأنّها بمنزلة الفعل المتعدّي ، وهذه القراءة من وجه أولى ، وهو إن جعل فيها اسم ليس ( ان تولّوا ) وجعل الخبر ( البرّ ) و ( ان ) وصلتها أقوى في التّعريف من المعرّف بالألف واللّام . وقراءة الجمهور أولى من وجه ، وهو أنّ توسّط خبر ليس بينها وبين اسمها قليل . وقد ذهب إلى المنع من ذلك ابن درستويه تشبيها لها ب « ما » . أراد الحكم عليها بأنّها حرف ، كما لا يجوز توسيط خبر « ما » وهو محجوج بهذه القراءة المتواترة ، وبورود ذلك في كلام العرب ، قال الشّاعر : سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم * وليس سواء عالم وجهول وقال الآخر : أليس عظيما أن تلمّ ملمّة * وليس علينا في الخطوب معوّل وقراءة ( بان تولّوا ) على زيادة الباء في الخبر كما زادوها في اسمها إذا كان ( ان ) وصلتها ، قال الشّاعر : أليس عجيبا بأنّ الفتى * يصاب ببعض الّذي في يديه أدخل الباء على اسم ليس وإنّما موضعها الخبر . و ( البرّ ) اسم جامع للخير ، وتقدّم الكلام فيه ، وانتصاب ( قبل ) على الظّرف وناصبه ( تولّوا ) والمعنى أنّهم لمّا أكثروا الخوض في أمر القبلة حتّى وقع التّحويل إلى الكعبة ، وزعم كلّ عن الفريقين أنّ البرّ هو التّوجّه إلى قبلته ، فردّ اللّه عليهم . وقيل : ليس البرّ فيما أنتم عليه ، فإنّه منسوخ خارج من البرّ . وقيل : ليس البرّ العظيم الّذي يجب أن يذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة . وقال قتادة : قبلة النّصارى مشرق بيت المقدس ،